|
بسم الله الرحمن الرحيم
المنظمة الإسلامية السنية الأحوازية
المؤسسة الثقافية الأحوازية
قصة قصيرة من المؤسسة الثقافية
الأحـوازية
القرقيعان في الأحـواز
القمر
لازال هلالاً (أبو خمس
ليال) . تنظر إليه كل ليلة حمده ، تنظر إلية و تستعجله أن يكبر . حمدة
ذات الست سنوات ، أخرجت ثوبها القديم و (بُخنَقها) المطرز بخيوط ذهبية
و الزاهي ، و لبسته لئلا يكون قد صغر عليها و حضرت كيسها المزركش . لقد خاطت لها
أمها من سنوات طفولتها الأولى الكيس و الثوب و البٌخنَق و لإخوانها و أخواتها كذلك
، و كل عام تنتظر بفارغ الصبر ، شهر رمضان و خاصة الأيام البيض عندما يقترب القمر
من الاكتمال (منتصف
رمضان) و هي أيام القرقيعان (1) (ليلة
الثالثة عشر ثم الرابعة عشر و الأخيرة ، الخامس عشر)
.
قالت
لأمها : أماه ، البخنق ضيق عليَ و الثوب كذلك . طمأنتها أمها بقولها : سوف أوسعه لك
و أطـَوله لك أيضاً ، فلا تخافي و كذلك إخوانك ، لدينا الكثير من الوقت لا تستعجلـي
يا حمدة . أما حمدة فهي ترى الوقت الطويل و أيضاً تخاف أن يدركها الوقت في نفس
الوقت ، و لم تزل غير جاهزة و ملابسها صغيرة !
ذهبت
حمدة للمدرسة و هي في السنة الأولـى من الابتدائية ، همست لصاحبتها (بسنه) : هل حضّرتي ثياب
القرقيعان ؟ ردت عليها بسنه : نعم و الكيس أيضاً ، فسألتها حمدة : و هل حضّرت
خيرية و شوقة و
سارة
ثيابهن أيضاً ؟ ردت بسنه : نعم و نحن ننتظر ليالي القرقيعان بشوق كبير .
سمعت المعلمة الفارسية (الإيرانية) همسهن فضربت بالطبشورة رأس حمدة و صرخت عليها أن تصمت
هذه العربية الريفية ! و سألتهن عن ماذا كانت تتكلم ، فقالت لها عن القرقيعان ،
فضحكت البنات الفارسيات و المعلمة باستهزاء و باستعلاء عليها و علـى ثقافة أهلها
(العرب) ، و
قالت : هذه عادة سيئة و هي عادة عربية و هم يعلمون أولادهم أن يضربوا أبواب الناس و
يطلبون منهم … و من المفروض أن يكون الأطفال في الليل نيام !
بكت
حمدة رغم أنها لا تفهم ماذا ترطن (تتحدث بالفارسية) عليها المعلمة ، لقد ألمها رأسها
و فهمت أن البنات و المعلمة يسخرون منها فدعت في قبلها : الله يفكنا (يريحنا) منكم في هذا
شهر رمضان عاجلاً ، الهي لقد تعبت من هذه المدرسة الفارسية ، ياليت ترجع هذه
المعلمة و هؤلاء البنات (الفارسيات) إلـى ما وراء الجبال و نرتاح منهم .
و
عندما رجعت حمدة للبيت ، رآها جدها ، حزينة ، فقال لها : بيتي (حبيبتي) حمدة ،
إشمالك (ما بالك) ؟
ردت
عليه حمدة و العبرة تخنقها : يا جدي هذه المعلمة تسخر منا و من العرب و لا أفهمها ،
لكن أفهم نظراتها و تصرفاتها معنا (العرب) و ضحكها علينا . رد الجد قائلاً : يا
حمدة ، أدعي ربك في هذا الشهر الفضيل ، أن يرجعهم إلـى ديارهم و جبالهم و إن شاء
الله سنرتاح منهم عاجلاً أم آجلاً فلا يدوم الظلم لمدة طويلة ولو أنه طال علـى
الأحـواز ، لكنه سيندحر ، لقد آن الأوان لذلك ، كفى ظلماً يا فرس لنا (أي العرب) ،
يكفي .. يا حمدة عزيزتي ، لقد وصل يومهم ، ها هم إخوانك و أولاد عمك , أخواتك
الماجدات ، و كل أبناء الأحـواز الشرفاء يقاتلون و يثورون ضد ظلم (احتلال) إيران و
أن ليل الظلم قصير بإذن الله . فدعا الله بخشوع : يا إلهي اكشف عنا ظلم إيران و حرر
أحـوازنا العربية ، إلهي فرج علـى شعبنا ، نريد أن ندرس بلغتنا (لغة الأم ،
العربية) ، نريد ملعمينا و مربينا أن يكونوا منّا ، و .. فهم أرحم بنا و أشفق علينا
، لا نريد الغرباء في ديارنا ، فهم ينظرون لنا بكراهية و بتعالـي و يظلموننا و
يهينوننا و لا يتكلمون بلغتنا و يجبروننا أن نتكلم بلغتهم (لننسى لغتنا بمرور
الأيام) ، فحتى لو كنت مريضاً و ذهبت إلـى الطبيب ، عليك أن تتكلم بلغتهم حتى
تستطيع أن تفسر لهم ما بك ، آه لهذا الظلم ، يريدوننا أن نصبح في بلادنا غرباء
..
ذهبت
حمدة و لا زال كلام جدها يرن في أذنها و هي تفكر ، هل الأطفال في البلاد الأخرى من
العالم مثلنا ؟ أتت أمها و معها ثياب حمدة الخاصة بالقرقيعان ، فابتسمت حمدة ، ولكن
لازال الأسى بادي علـى وجهها ، فسألتها أمها : ما بالك يا حمدة ؟
فشكت
لها حمدة ، المدرسة و المعلمة و … ،
فارتسم
الحزن علـى وجه الأم الأصيلة و سكتت و خنقتها العبرة ،
سألت
حمدة أمها ، هل في العالم بلادُ مثلنا ؟ ، فيها أناس غرباء يظلمون أهلها ؟ و شعبنا
العربي الأصيل ؟ ،
قالت
لها أمها بأسى شديد : كل العالم حرُ و حتى البلاد القليلة المحتلة ، ليسوا مثلنا ،
فلا يوجد في العالم ظلمُ كالظلم الذي وقع علينا من الفرس (الإيرانيين)
.
سألتها
حمدة : و هل يجب أن نعيش إلى الأبد هكذا ؟
أجابتها
أمها : لا ، فإذا أردت يتغير كل شئ ،
فرحت
حمدة بما سمعت ، و قالت : كيف يا أماه ؟
أجابته
الأم : إذا أردتِ و أراد البنات و الأولاد الذين في القرقيعان التحرر من الظلم
(الاحتلال) ، ستتحرر الأحـواز ، فأنتم جيل المستقبل و علـى يديكم سيتغير وجه القدر
،
فرددت
حمدة مرة أخرى : كيف يا أماه ، كيف ؟
فقالت
لها أمها : بنيتي ، عندما تقرقعون (تذهبون للقرقيعان) ، اهتفوا للأحـواز العربية
الحرة ،
فرحت
حمدة و انتظرت الليلة الموعودة بكل الشوق . باتت حمدة ليلتها و هي تنظر إلـى القمر
المطل عليها من الشباك ، و هي توعده بأنه سيرى أطفال الأحـواز يرفعون رؤوسهم و
أصواتهم و يغنون للحرية ، عانق القمر النخلة و غفت حمدة علـى حلم جميل .
في
الصباح استيقظت حمدة و هي كلها تفاؤل و أمل و فرح ، قررت أن تكلم صويحباتها
(صديقاتها) عن الليلة ، ليلة القرقيعان ، عندما كلمت حمدة البنات فرحن كثيراً و كل
واحدة منهن قررت أن تكلم إخوانها و أخواتها و كل من يعرفنه لتكون ليلة القرقيعان ،
ليلة كل أطفال الأحـواز و ليس بيت واحد أو قرية واحدة ، و من هنا و هناك و من هذا
البيت لذاك ، صار الأطفال ، أطفال النخلة و القاع (الأرض) ، هذه القاع التي ترابها
يشبه الحنا و رائحته أعطر من رائحة المسك و العنبر . صار أطفاله كأنهم زلزالُ أو
طوفان سيأخذ بطريقه كل الظلم و الاحتلال و الاستعمار ، سيخلص الوطن من كل العوالق و
الأوساخ و النفاق ، و ستكون الأحـواز نظيفة طاهرة كعهدها دائماً ، لا تقبل الدنس و
الرجس و العار ، ستكون حرةً عربية كما كانت و كما خلقها الله .
اليوم
هو الثاني عشر من رمضان ، الليلة هي الليلة الموعودة . بعد الإفطار طلبت حمدة من
أمها أن تضفر لها شعرها ، فضفرت لها أمها شعرها المحنى و الذي تفوح منه رائحة الأرض
، رائحة أمهاتنا و جداتنا و كل ( احبي باتنا) ، رائحة السعد و المحلب و القرنفل و
الحنا . ضفرت لها أمها شعرها قصايب و لبست حمدة ، ثوبها و بخنقها و أخذت كيسها ،
عندما اجتمعوا أخوان حمدة و أخواتها قرب الباب ، أعطتهم أمهم بركة من القرقيعان و
وضعت في كيس كل منهم القليل (كبركة) و دعا لهم الجد و الجدة ، و قال لهم لا تنسوا
أن تهتفوا للأحـواز ضحك الأولاد و سموا باسم (الله) و خرجوا .
كل
ما طرقوا باباً ، يطلب منهم أن يهتفوا للأحـواز العربية و للشهداء و للأسرى و كان
الأولاد ، يهتفون يغنون ، يهزجون ، و القمر ينير لهم الطرقات و الدروب ، اجتمعنا
البنات معاً و اجتمع الأولاد معاً و كانوا يغنون بأصواتهم الجميلة و ينادون الحرية
القابعة في مكان ما ، الحرية التي يجب أن نتحرك و نبحث عنها ، فهي لا تأتي للهامد ،
لا تأتي للإنسان الميت الذي لا يحس و ليس لديه شعور إيجابي تجاه أرضه و وطنه و شعبه
، بل الحرية تحب من يسعى إليها ليستحقها عن جدارة .
كانت
قرية حمدة كأنها في عرس جميل و كان النخيل الشامخ واقف بصمـود ، ينظر من الأعلـى
إلـى الأطفال ، و يفتخر أنه ينتمي إلـى هذه الأرض ، و كانت النهران ، يتلامع مائها
، كأنه فضة ، و وجه القمر مرسومُ عليه ، و الأطفال من بيت لبيت ، ثم من قريتهم
للقرية القريبة منهم ، و كانوا يسمعون أصـوات أطفال القرى المجاورة ، فكانوا يهتفون
مثلهم ، و يغنون و يهزجون للأحـواز ، للحرية ، للكرامة ، للشهيد ، للأسير ، و كانت
أصـواتهم تلتحم و تعلوا ، و تعلوا .
و
كانت صيحة واحدة حتى غنى معهم القمر و النخيل و النهر و حتى حبات التراب و حتى
النسيم ، يالها من ليلة ، و يالها من ليلة . ليت نهارها مثلها ، و ياليت تدوم هذه
الليلة ليسقط الاحتلال (الإيراني) البغيض و ينزاح ليل الظلم عن الأحـواز و تدوم
ليلة القرقيعان ، عـرس الحرية .
هاهي
حمدة و برفقتها الأطفال جميعاً ، كل أطفال الأحـواز ، ها أنا أسمع صـوت حمدة ينادي
و برفقتها أصـوات الأطفال ، و هاهي الأهازيج ، أهازيج الحرية :
قرقيعـــان و قرقيعـــان
إب كل الأحواز إب نص رمضان
كـل وطنا يشـب نيـــران
يحرق الظلـــم و الغربــان
و كـل غريــب يـرد طهـران
***
قرقيعــــان و قرقيعـــان
من المحمـــــرة لعبــادان
مـن القصــبة لهنــــديان 2
من الحـــويزة لعبــد الخان
من كـوت عبد الله للــزرقـان
من ملا ثــاني الحــد شيـبان
***
قرقيعـــان و قرقيعـــان
و الأطــفال إب قرقيــعان
إتقرقع عنــد الجيـــران
و أحــنا عرب مو عجـمان
و إهـنا أحــواز مـو إيران
الهـــوامش
ـــــــــــــــ
1) القرقيعان : مكسرات و حلويات و .. تعطى للأطفال الذين يحيون هذه المناسبة و ذلك من 12 حتى ال15 من كل رمضان و القرقيعان عادة تداخلت فيها العروبة و الإسلام و أصبحت عادة من المغرب العربي و حتى الخليج العربي و أما عن القرقيعان في الأحـواز فهي عادة مازالت موجودة و يحيّحها أبناء الأحـواز و يحاول العـدو أنسأ شعبنا هذه العادة العربية الأحـوازية ، و القرقيعان في الأحـواز يتشابه كثيراً مع مثيلتها في الكويت و قطر و البحرين و باقي دول الخليج الشقيقة .
2) الهنديان : مدينة التميمية الأحـوازية و هي مدينة في جنوب شرقي الوطن و قد أطلق عليها الفرس اسم هنديجان لتفريسها و تحريف و تلفيق تاريخها العربي .
أعدت القصة المؤسسة الثقافية الأحـوازية بإشراف رئيسة المؤسسة ، الأخت المناضلة أخت الثـوار الأحوازية
الاثنين ، ال14 من شهر رمضان المبارك 1426هـ
|